أربع خطوات لتحقيق المساواة في التعليم

ديفيد مالباس

رئيس مجموعة البنك الدولي

 

يتعطّل التعليم بشكل غير مسبوق بسبب جائحة فيروس كورونا، مما يهدد مكتسبات التعلم حاليا والدخل مستقبلا لملايين الأطفال حول العالم. إننا نحتاج على وجه السرعة إلى أساليب جديدة لدعم التحسين اللازم، بما في ذلك تخفيف أعباء الديون كي تتمكن البلدان المعنية من تمويل التعليم الأساسي المطلوب في السنوات القادمة .

فحتى قبل تفشي الجائحة، كانت هناك مخاوف متنامية إزاء مدى انتشار “فقر التعلم”- وهو عدم القدرة على قراءة وفهم نص بسيط في سن العاشرة.

إن 53% من الأطفال تقريبا في البلدان منخفضة ومتوسط الدخل يعدمون هذه المهارات الأساسية – وقد تزيد هذه النسبة إلى 63% بعد الأزمة . وعلى المدى الطويل، فإن الجيل الحالي من الطلاب معرض لخسارة ما قيمته 10 تريليونات دولار من الدخل نتيجة لفقدانه قدرا من التعليم .

ولا تقل العواقب الفورية على التعليم سوءا. فالتداعيات الاقتصادية الناجمة عن جائحة كورونا يمكن أن تدفع ما يقرب من 150 مليون شخص إلى دائرة الفقع المدقع بحلول عام 2021 – بالإضافة إلى 689 مليونا في الوقت الراهن – الأمر الذي سيجبر المزيد من الأطفال على ترك الدراسة إلى الأبد. ويشكل تفاقم الفقر المقترن بإغلاق المدارس تهديدا خاصا للفتيات.

فالمؤشرات الأولية تشير إلى ارتفاع معدلات التسرب من التعليم، وإلى أن الفتيات أكثر عرضة لعدم العودة إليه من الأولاد. إن الحاجة للتحرك ملحة الآن. إذ أنه بدون بذل جهود دؤوبة، ستتسع هوة التفاوت في نواتج التعليم لتصل إلى حافة الانهيار.

والإخفاق في التصدي للديون الآن سيحرم جيلا بكامله من التعليم ومن فرصة تحقيق الرخاء لهم ولأسرهم.

فالأعباء المفرطة للديون وتراجع الإيرادات تجبر البلدان النامية على تقليص الاستثمار في رأس المال البشري.

وحققت مجموعة العشرين تقدما على صعيد شفافية الديون والتخفيف من أعبائها . فقد اتخذت المجموعة، من خلال مبادرة تعليق مدفوعات خدمة الديون التي طرحتها هذا العام، إجراءات مؤقتة لوقف سداد خدمة الدين والسماح بحيز في المالية العامة يتيح تلبية الاحتياجات الملحة المتعلقة بفيروس كورونا . ولكن مع غياب الإعفاء الدائم من أعباء الديون، تظل التوقعات الخاصة بأوضاع الفقر وإمكانية التقدم على صعيد التعليم قاتمة.

ومازالت المشاركة في جهود الإعفاء من أعباء الديون بعيدة كل البعد عن الاكتمال. فمن الضروري أن تشجع حكومات مجموعة العشرين جميع الدائنين في بلدانها، سواء من القطاع العام أو الخاص، على التحرك. وهذا يشمل تعديل القوانين التي توفر الحماية المفرطة للدائنين وتحول دون تخفيض الديون.

ويعمل البنك الدولي مع البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل على تسريع العودة إلى المدارس، وإرساء القواعد لأنظمة تعليمية أفضل وأكثر قدرة على الصمود وأكثر إنصافا. ويركز دعمنا على أربعة مجالات:

 

أولا، علينا أن نسد الفجوة الرقمية لإتاحة الاستخدام الفعال للأدوات الإلكترونية اللازمة لتعليم مزدوج (مباشر وافتراضي)، وتقليص الفجوات الواسعة في أنظمة التعليم.

ثانيا، تحتاج البلدان المعنية إلى تسريع وتيرة الاستثمار في المعلمين الأكفاء من خلال تقديم التدريب العملي لتحسين مستوى التعلم والمهارات.

ثالثا، ينبغي أن يعكس التعليم أهمية الأسرة والظروف الأسرية، وأن يضمن استمرارية التعلم في الفصل وفي المجتمع.

وأخيرا، يجب أن يدرج ذلك في السياسات الأشمل التي تستثمر في الشباب وتحميهم، بما في ذلك إجراءات التصدي للاستغلال والاعتداء والتحرش الجنسي.

وتهب البلدان في جميع أنحاء العالم لمواجهة هذا التحدي بانتهاج أساليب وابتكارات جديدة. فالأردن والفلبين وتركيا تصمم محتوى تلفزيونيا ورقميا جديدا وتصل به إلى المزيد من الأطفال في المنازل.

كما تستخدم رواندا الإذاعة على نطاق واسع وكذلك لغة إشارة للوصول إلى المزيد من الطلاب. وتوفر باكستان إمكانية الدخول على المنصات الإلكترونية لأكثر من نصف مليون طالب جامعي ، فيما تعكف البرازيل على تحسين الاتصال عبر الإنترنت والمواد التعليمية الرقمية.

وفي جيانا، ينصب اهتمامنا من بين أشياء أخرى على المهارات الأساسية التي يحتاجها الطلاب للانتقال إلى المستوى التالي على سلم التعليم، وعلى تدريب المعلمين، وتعديل نظام التقييم على المستوى الوطني بحيث يعكس احتياجات الصحة العامة والوقت المفقود.

وبشكل عام، يعمل البنك الدولي في 62 بلدا من خلال مشاريع جديدة أعيد هيكلتها بإجمالي 11.5 مليار دولار تغطي الدورة التعليمية الكاملة من الطفولة المبكرة إلى التعليم العالي. ووصلت هذه الجهود المرتبطة بجائحة كورونا حتى الآن إلى أكثر من 400 مليون طالب و16 مليون معلم.

إن نواتج التعلم تشكل أساسا لبناء رأس المال البشري، الذي يعد المحرك الذي يتوقف عليه أي نمو أو إنتاجية في كل بلد. لكن ما تحقق من مكاسب رأس المال البشري بشق الأنفس، والتي أبرزها تقرير مؤشر رأس المال البشري 2020، يواجه تهديدات.

وهذا هو السبب في أنه خلال المائة يوم الأولى منذ بداية الاستجابة للجائحة توجه ما يقرب من نصف إجمالي ارتباطاتنا بشأن العمليات – البالغ حجمها 16.7 مليار دولار- إلى أولويات رأس المال البشري، كالتعليم والصحة.

ومن شأن زيادة الإعفاء من أعباء الديون، بالتزامن مع تعزيز التحصيل الضريبي وتحسين أولويات الإنفاق العام وإدارته، أن يتيح الموارد اللازمة للبلدان النامية للإنفاق على تعليم مواطنيها وإعادة بناء اقتصادها.

إن الأنظمة التعليمية الأكثر ذكاء وإنصافا وصمودا أمام صدمات مثل جائحة كورونا تشكل الركائز التي سيتوقف عليها نجاح الأطفال. هذه أجندة طويلة الأجل، بيد أن جائحة كورونا عجّلت بالمستقبل فاستحضرته اليوم.

التعليقات مغلقة.