أدوية مهربة تعبر المطارات والمنافذ إلى المذاخر والصيدليات

أحكام قضائية حازمة بحق مهربي الأدوية والمخالفين لشروطها

المستقلة/- علي البدراوي،..لا يختلف اثنان على التأثير الكبير الذي تتركه الأدوية على صحة كل من الفرد والمجتمع, ولاشك أن مردود ذلك التأثير سيكون سلبياً عند ترك التعامل بها وطرق إيصالها للمريض بشكل عشوائي وغير محكوم بقواعد قانونية تكفل توفيرها بالكمية الكافية والنوعية الجيدة من حيث صلاحيتها في أداء وظيفتها بعلاج الأمراض أو الوقاية منها أو تخفيف آلامها على المصابين.

ونظم المُشرّع العراقي عمليتي صناعة الأدوية الطبية واستيرادها بأحكام دقيقة تحددت بعدم سماحه التعامل بها ما لم تكن من مصدر معروف وحاصلة على اعتراف رسمي من قبل الجهات المعنية, فهو يجعل من حيازة أدوية مجهزة من قبل مصدر غير معترف به رسمياً بقصد الاتجار بها من جرائم تخريب الاقتصاد الوطني الماسة بالشرف ويعاقب عليها بأشد العقوبات التي تتراوح بين عقوبتي الإعدام والحبس لمدة خمس سنوات, وجعل هذا الحكم شاملاً الشخص المجاز وغير المجاز بالتعامل بالأدوية الطبية.

أدوية مهربة في مطار النجف

بتاريخ الخامس عشر من أيلول من عام 2019 أحيل مدير كمرك مطار النجف الدولي إلى القضاء بتهمة إدخال أدوية مهربة حيث اعترف بتقاضيه مبلغ ألفي دولار أميركي من احد الأشخاص لقاء سماحه بمرور أدوية مهربة عبر المطار.

كانت البضاعة تحوي على أربعمائة علبة (من الحجم الكبير) قدمها مالكوها لسلطات المطار على أنها ملابس مستوردة من سورية. حيث كان عمل الجاني كمدير كمارك المطار يتعلق بالتحقق من صلاحية البضاعة وأوراقها الرسمية وفحصها بشكل دقيق مشتركاً مع شركة الشحن الجوي وبعد التحقق منها تم استيفاء الرسم الكمركي بإشراف أحد ضباط المنفذ الحدودي (في المطار) اضافة الى الاجراءات الكمركية الاخرى ليتم تسريبها الى العراق على أنها بضاعة ملابس، علما أن مطار النجف ليس من ضمن المنافذ الحدودية المخولة بإدخال الادوية الى العراق.

مرت اجراءات دخول الادوية بسلاسة واخرجت البضاعة من احدى بوابات المطار بإشراف المتهم ومتابعته ليتم ايداعها في مخزن الشحن الجوي. وفي التحقيق أفاد شهود عيان بان الادوية المفرغة في المخزن كانت واضحة للعيان لكن المذكور عند ادائه لعمله اليومي لايقوم بالكشف عنها (حسب الاتفاق المبرم مع الاطراف الاخرى) ليتم تحميلها في السيارات وادخلت الى المحافظة.

تكررت تلك الحالة بين اسبوع واخر على شكل ثلاث وجبات الى اربع خلال الاسبوع الواحد ليتم ضبط الادوية التي بلغ وزنها طنا، حيث اعترف المتهم في التحقيق ان حصته من كل عملية ادخال قد بلغت ألفي دولار أميركي لتحكم عليه محكمة الجنايات المتخصصة بقضايا النزاهة في استئناف النجف بالسجن لمدة عشر سنوات استناداً لأحكام البند ثانيا/1 من القرار 160 لسنة 1983 وبدلالة المواد 47 و48 و49 من قانون العقوبات.

نصف مليون علبة دوائية مخالفة

في شهر شباط من العام الحالي 2021 ضبطت السلطات الأمنية المختصة قرابة نصف مليون علبة دواء ممنوعة ومنتهية الصلاحية كانت مخبأة في أحد مذاخر منطقة الحارثية في بغداد حيث القي القبض على مالكيه وتمت إحالتهم للقضاء لتطفو على السطح من جديد مشكلة الأدوية المهربة ومنتهية الصلاحية.

ولم تخل المنافذ البرية والجوية للعراق من تسرب الأدوية المهربة إذ حصل في أواخر شهر كانون الثاني من العام الحالي ان ضبطت شحنة أدوية مهربة عبر ميناء ام قصر في محافظة البصرة. ففي مساء يوم 28/1/2021 وردت معلومات من ميناء أم قصر الشمالي تفيد بوجود احدى الحاويات المهربة بحجم (40 قدما) محملة على إحدى العجلات وفي طريقها إلى سفوان بعد تمكن المهربين من إخراجها من بوابة ميناء أم قصر وبعد ضبطها من قبل السلطات اتضح انها تحوي على أدوية مهربة قد وضعت خلف معدات منزلية ومرشات زراعية. حيث تم إعطاء القرار بضبط الحاوية المهربة وانتقال ضابط التحقيق لضبطها على طريق سفوان.

في بابل أيضا

في شهر أيار المنصرم أصدرت الهيئة الثانية لمحكمة جنايات بابل حكما بالسجن لمدة 15 سنة بحق مدان بحيازة كميات كبيرة من الأدوية والمتاجرة بها بصورة غير رسمية استنادا لأحكام القرار 39 لسنة 1994 عن جريمة التعامل بأدوية غير مجهزة من مصدر رسمي، كما أصدرت قرارا آخر بالسجن 15 سنة ضد المدان نفسه استنادا لأحكام 39 لسنة 1994 عن جريمة حيازة الأدوية بقصد المتاجرة بها، كما قررت مصادرتها وتسليمها إلى دائرة صحة بابل”.

القضاء ومجابهته مهربي الأدوية

ولتسليط الضوء على موقف القضاء تحدث قاضي محكمة جنايات الكرخ/ الهيأة الأولى السيد احمد الجواري قائلاً: إن القانون العراقي قد طبق النص الوارد بما كان يعرف بـ(مجلس قيادة الثورة) المنحل المرقم (39) لسنة 1994 والذي عالج تلك الجريمة وعدها من جرائم التخريب الاقتصادي والوطني المخلة بالشرف وحدد عقوبة مرتكبيها بالإعدام او السجن المؤبد او السجن المؤقت او بالحبس لمدة خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن (10) آلاف دينار ولا تزيد على مائة ألف دينار (عدلت الغرامة لتصل إلى عشرة ملايين دينار عراقي) كما أعطى للمحكمة حق مصادرة أموال المحكوم عليه بما يتناسب مع جسامة الضرر.

أي أن العقوبة تحدد حسب جسامة الفعل (كمية الادوية المهربة ومنشأها ومدى خطورتها على المجتمع) كما حدد القرار الأفعال التي ينطبق عليها النص المذكور، من ضمنها اخراج الادوية والمستلزمات والاجهزة والطبية وكل ما يتعلق بها من مواد بصورة غير مشروعة من المؤسسات الصحية الرسمية والجمعيات ذات النفع العام.

واضاف القاضي أحمد الجواري “كما عالج النص ايضا موضوع تزوير المستندات والسجلات الرسمية الخاصة بالأدوية والمستلزمات والاجهزة الطبية بقصد اخفاء التصرفات غير القانونية في هذه المواد. علما ان هذا النص ينطبق على القائمين بالمؤسسات الصحية في حال وجود ادوية تحت عهدتهم وسجلات ومستندات يتلاعبون بها بقصد اخفاء عمليات تهريب الادوية والمستلزمات الطبية التي تستوردها وزارة الصحة والتي تتم داخل مؤسساتهم الصحية بهدف اخراجها للمضاربين في السوق السوداء وبيعها للمواطنين خلافا للغرض الذي استوردت من أجله”.

وتابع “كما عالج النص ايضا حيازة الادوية والمستلزمات الطبية بقصد المتاجرة بها اذا كانت غير مجهزة من مصدر معترف به رسميا بموجب قوائم اصولية. اي ان وزارة الصحة تستورد ادوية من مناشئ عالمية معروفة أما في حال ان كانت المؤسسات المسؤولة عن الاستيراد قد ادخلت للبلد ادوية من مناشئ غير معروفة عالميا وغير معترف بها (غير مطابقة للشروط الصحية) فإن ذلك يعرضها للنص القانوني المشار إليه”.

وفي اجابته على تفاوت الاحكام القضائية على المخالفين لشروط وضوابط إدخال الادوية أجاب القاضي الجواري قائلا:

تفاوت الاحكام القضائية بحق المخالفين حسب كمية المواد المهربة وكيفية ضبطها، اضافة الى الاخذ بالحسبان تبعات استعمالها من قبل المستهلكين خصوصا اذا ما نجم عنها حالات وفاة لمجاميع أو أفراد حيث يعدها القانون جريمة قتل تسري بحق مرتكبيها المادة (410) من قانون العقوبات العراقي.

وعن الوضع القانوني للصيدليات من تلك الحالات فأجاب قائلاً: في ما يخص الصيادلة فأن هناك قانون يحكمهم (قانون مزاولة مهنة الصيدلة) لكن اذا ما ثبت ان الأدوية الموجودة في الصيدلية غير معروفة من مناشئ عالمية ومصدق عليها من قبل وزارة الصحة، قطعا ان القانون سيطبق على مالكها، لكن هناك جانب آخر يتعلق بمخالفات البيع من حيث تلاعب الصيدلية بتسعيرة الدواء حيث يطبق على مالكها قانون (مزاولة مهنة الصيدلة) المشار اليه.

وعن تجربته القضائية مع تلك الخروقات الخطيرة اشار الجواري الى أنه منذ توليه رئاسة الجنايات في عام 2015 كان من ضمن الدعاوى التي نظر بها هي الخاصة بتهريب الادوية حيث اصدرت المحكمة بموجبها أحكام وصلت الى السجن المؤبد وصودرت بموجبها أموال المحكومين وفقاً للقرار المشار إليه آنفاً.

آلية دخول الدواء إلى العراق

نبتعد قليلا عن الجانب القانوني لنتوجه إلى آلية دخول الدواء إلى العراق عبر لسان احد المختصين، حيث تحدث المدير السابق لمعهد المصول واللقاح والمدير السابق لاستيراد المستلزمات الطبية في وزارة الصحة الدكتور محمد اسماعيل مجيد/ استشاري علم الامراض خبير اللقاحات عضو مجلس ادارة مركز الرافدين للتنمية الصحية قائلاً:

لابد من الاشارة الى ان الشركة العامة لتسويق الادوية والمستلزمات الطبية (كيماديا) هي المسؤول الأول والأخير عن استيراد كل ما يخص الجانب الطبي من (أدوية ومستلزمات طبية) في وزارة الصحة حصراً، ولغرض تخفيف الضغط على هذه الشركة تم السماح لبعض الموردين باستيراد الأدوية ضمن شروط وضوابط محددة، منها ان تكون الشركات مسجلة في وزارة الصحة اولا، كما يتم تسجيل الأدوية بعد ان يتم جلب نماذج منها تفحص في (مختبر الرقابة الدوائية) التابع لوزارة الصحة وعلى ضوء تلك الضوابط يتم تحديد دخول الدواء الى العراق من عدمه. بعد إقراره من قبل (الهيئة الوطنية للأدوية). وهذه الهيئة مسؤولة على انتقاء الادوية ودراستها بشكل جيد وهي من تقرر استيراد الدواء من عدمه.

وأشدد على أن عملية الاستيراد الدوائي في العراق ليست بالأمر الصعب الذي يحتم على اصحابه اللجوء الى طرق التهريب لإدخال بضاعتهم الى العراق ملتفين على الضوابط القانونية كما يبررون أحياناً بشكل مضلل الى وسائل الإعلام.

وعليه أقول ان من يدخل الدواء الى العراق بطريقة التهريب لا يمكن أن يؤخذ بجانب حسن النية جراء ما ذكرت من تسهيلات تتيح له إدخالها بصفة رسمية، اضافة الى ان التعريفات الكمركية على الأدوية تعد قليلة قياسا بالبضائع الأخرى، فالرسوم والتخليص الكمركي للدواء تعد من الامور غير المعقدة. لكن هناك نفوس ضعيفة همها الربح غير المشروع على حساب المواطن العراقي، لكن القضاء يقف دائما بالمرصاد لها وفقا للتجارب التي اطلعنا عليها.

وبالرغم من ذلك، يؤكد الدكتور مجيد على ضرورة إعادة إستراتيجية آلية استيراد الادوية ودخولها الى السوق الطبي العراقي عبر تشكيل لجنة من الحكماء من خبراء وزارة الصحة والمختصين بالجوانب الدوائي بمشورة واشراف قضائي ومن السلطات المختصة، اي ينبغي تشكيل هيئة تضع ضوابط جديدة لغرض السيطرة على مثل تلك الامور لصيانة أمن وحياة وسلامة المواطن العراقي وحصانة صحته من أي خرق دوائي قد تكون تبعاته خطيرة على حياته.

 

المصدر: القضاء

التعليقات مغلقة.